الشهيد وديع إلياس حداد

الذاكرة
13 سبتمبر 2019
الشهيد وديع إلياس حداد


بقلم اللواء ركن عرابي كلوب

ولد/ وديع حداد في مدينة صفد عام 1927م وكان والده يعمل مدرساً للغة العربية في إحدى المدارس الثانوية في مدينة حيفا، وبحكم وجود والده في مدينة حيفا فقد تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في هذه المدينة، وأثناء وجوده على مقاعد الدراسة بمراحلها الثلاثة المختلفة تميز بذكائه المتقد ونشاطاته المميزة وتفوقه في مادة الرياضيات، كما كان شاباً رياضياً.

اضطرت أسرته للهجرة من صفد نتيجة المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني نتيجة النكبة عام 1948م ولجأ مع عائلته إلى مدينة بيروت حيث استقر به المآل هناك، وفي هذه الأثناء التحق وديع حداد بمقاعد الدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الطب.

أثناء دراسة الطب في الجامعة التحق في جمعية العروة الوثقى حيث تولى موقعاً قيادياً فيها وبعد ذلك كان أحد ثلاثة أسسوا حركة القوميين العربي في بيروت وعمان ودمشق وهم (د. جورج حبش – د. هاني الهندي، د. وديع حداد) والتي كانت بفضل تحالفها في تلك الحقبة من الزمن مع الزعيم الراحل/ جمال عبد الناصر أحد أهم حركة التحرر الوطني العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

بعد تخرجه من الجامعة توجه د. وديع حداد مع رفيق نضاله د. جورج حبش إلى الأردن فأسسا في عمان عيادة شعبية لمعالجة الفقراء من أبناء الشعب الفلسطيني، وانتقل عام 1956م إلى مخيمي عقبة جبر والكرامة في غور الأردن وعمل في عيادات وكالة الغوث الدولية.

تعرض د. وديع حداد للاعتقال في الأردن عام 1957م بعد الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي ومكث في السجن لمدة ثلاثة سنوات وقضاها في سجن الجفر الصحراوي حيث تم الإفراج عنه بعد تلك المدة.

في بداية العمل النضالي عمل وديع حداد بين الجماهير الفلسطينية في الضفتين الشرقية والغربية من خلال حركة القوميين العرب، وقد ظلت فكرة إنشاء حركة كفاح مسلح مسيطرة على ذهنه وتفكيره إيماناً منه بأن الكفاح المسلح هو الأسلوب الوحيد لتحرير فلسطين، لذا عمل منذ نهاية الخمسينات على تدريب أعضاء الحركة وكوادرها عسكرياً.

وفي بداية الستينات وعند تأسيس تنظيم شباب الثأر ركز د. وديع حداد على ممارسة العنف الثوري في معسكر الأعداء.

جاءت هزيمة حزيران رقم عام 1967م في ظل شعور متزايد لدى القوميين العرب حيث أن النضال القومي قد غيب الخاص الفلسطيني وعليه فقد اتجهت الجهود نحو تشكيل أداة فلسطينية تكون مهمتها النضال من أجل تحرير فلسطين، وعلى ذلك تم تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من شباب الثأر وأبطال العودة وجبهة التحرير الفلسطينية وعدد من الشخصيات والرموز الوطنية والقومية الناصرية.

بعد تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين انصرف د. وديع حداد إلى وصل النظرية بالممارسة العملية فسعى لإقامة أوسع التحالفات على الصعيدين العربي والعالمي لإيجاد برامج ثورية مشتركة يتم من خلالها التصدي بشكل مشترك للأمبريالية والصهيونية.

تولى د. وديع حداد مهمات قيادية أساسية جداً في الجبهة حيث أسندت إليه مهمتان رئيسيتان هما (المالية والعمل العسكري الخارجي) حيث أثبت د. وديع حداد قدرات قتالية وعملية جديرة بالاحترام والتقدير، وجسد شعار(وراء العدو في كل مكان) بطريقة فاعلة.

كان د. وديع إلياس حداد المسؤول المباشر عن (المجال الخارجي) الذي ظهر في إطار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1968م، تطبيقاً لشعار (مطاردة العدو في كل مكان) وكان مسؤولاً عن خطف الطائرات حيث دشن (المجال الخارجي) عملياته باختطاف طائرة (إلعال الإسرائيلية) المتجهة من روما إلى تل أبيب وأجبرها على الهبوط في مطار الجزائر حيث أفرجت إسرائيل بعد مفاوضات شاقة وقتها عن بعض الأسرى الفلسطينيين، مقابل الإفراج عن رهائن الطائرة الإسرائيلية.

كان د. وديع حداد ملهماً لحركات سياسية عديدة في العالم اعتنقت مبادئ العنف الثوري طريقاً للتحرر من الاستعمار وقد عرف عنه أنه أستاذ (في فن العمليات الخاصة).

بعد سنوات من النضال الطويل والكفاح على مختلف الأصعدة، اختلف د. وديع حداد مع رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على مواصلة النهج المذكور، لذا قررت قيادة الجبهة الشعبية ووقف العمليات الخارجية مثل خطف الطائرات وتفجير المطارات وغير ذلك، في المقابل رفض د. وديع حداد تلك الرواية والاستجابة لطلب القيادة وعبر عن نيته عدم الالتزام بقرارات رفاقه وعليه فقد اتخذت قيادة الجبهة الشعبية قراراً بفصله هو ومن معه.

في عام 1976م وخلال الحرب الأهلية اللبنانية ودخول قوات ما يسمى الردع العربية (القوات السورية) إلى لبنان توجه د. وديع حداد وآخرون للإقامة بشكل نهائي في العراق.

بدأت فصول نهاية حياة القائد د. وديع حداد في بغداد الرشيد عام 1978م عندما تم استدعائه من قبل مدير عام المخابرات العراقية إلى مكتبه وذلك قبل سفره إلى الجزائر بيوم واحد، حيث تناول حديث بينهما وتناول فنجان من القهوة في المكتب حسب المعلومات المؤكدة بعد ذلك خرج من اللقاء، إلا أنه شعر بألم في معدته واعتبره ألم عارض، سافر في اليوم التالي إلى الجزائر حسب الموعد المحدد له لعقد اجتماعات هناك إلا أن الألم اشتد عليه مما استدعى لنقله إلى المستشفى حيث مكث بها مدة أسبوعين وعرض على الأطباء لمعرفة مرضه دون جدوى، فتقرر سفره إلى براغ بتشيكوسلوفاكيا لعلاجه ومعرفة ما أصابه حيث أصبحت حالته الصحية في خطر.

انتقل د. وديع حداد إلى رحمة الله تعالى يوم الاثنين الموافق 28/3/1978م، وتم إحضار جثمانه إلى العراق بعد عدة أيام حيث دفن هناك، وشارك الرفيق د. جورج حبش وأعضاء قياديين من الجبهة الشعبية في جنازته.

كان د. وديع حداد (أبو هاني) ملاحقاً من كل أجهزة مخابرات (العالم) وكان المطلوب رقم واحد على لائحة الموساد الإسرائيلي والمخابرات الغربية، وربما لم يعرفه الكثيرون من جيل الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

د. وديع حداد صاحب تاريخ حافل ومشرف حيث أنه صنع مجد الفدائي الأول في تلك المرحلة، وعزز قيم الولاء والوفاء لشعبنا الفلسطيني وجعل الفدائي رمزاً للقواعد والبنادق والنضال.

د. وديع حداد رجل استثنائي بكل المعايير والمقاييس فلسطينياً وعربياً بل ودولياً، رجل شكل ظاهرة نادرة في ذلك الزمن.

كان د. وديع حداد رمزاً فلسطينياً فذاً قدم كل شيء في سبيل فلسطين التي حلم وعمل دائماً من أجل الوصول إليها بأقرب الآجال وبأقصر الطرق.

فإلى جنات الخلد يا أبا هاني.

وإلى روحه الخلود والمجد.